من هو ابن حبان؟

هو إمام، ومحدث، وقاضي، ومن كبار أئمة علم الحديث، والجرح والتعديل في القرن الرابع الهجري.


وهو محمد بن حبان بن أحمد التميمي الدارمي البُستي الشافعي، ويكنى بأبي حاتم، وهو من أبرز الفقهاء، وأشهر حفاظ الحديث، وقد برع ونبغ في العديد من العلوم الدينية والدنيوية مثل الحديث، والفقه، واللغة، والطب، والفلك، وعلم الكلام، حتى استحق بذلك ثناء جميع العلماء عليه، ومنهم الحاكم الذي قال عنه "كان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال"، كما قال عنه ياقوت الحموي "من تأمل تصانيفه تأمُّلًا منصفًا، علِم أنّ الرجل كان بحرًا في العلوم"، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانته العلمية المرموقة التي احتلها في ذلك العصر، وإلى جانب علمه الكبير، وعمله في التدريس، فقد تولى ابن حبان كذلك منصب القضاء في سمرقند، ونيسابور، ونسا.[١][٢]


مولد ابن حبان ونشأته

ولد ابن حبان في مدينة بُست من أعمال سجستان (أفغانستان حاليًا)، في عام 273 هجري، وفي رواية أخرى في عام 270 هجري، ولا تتوفر في كتب التراجم أيّة معلومات تتعلق بأسرته أو نشأته.[٣]


مسيرة ابن حبان العلمية والعملية

أجمعت معظم المصادر على أنّ ابن حبان قد بدأ بطلب العلم في عمرٍ متأخر وذلك في أوائل العام 300 هجري، إلا أنّ هذا لم يمنعه من بذل كل ما يملك من جهدٍ ووقت في سبيل تحقيق ذلك، فهو لم يكتفِ بتلقي العلم في موطن رأسه، وإنما خرج في الكثير من الرحلات العلمية إلى الأقاليم الإسلامية الأخرى مثل خراسان، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة، وما وراء النهر، حيث وصلت عدد المدن التي دخلها نحو خمسين مدينة، وقد كان يحرص على لقاء العلماء والشيوخ في جميع البلدان التي كان يحل فيها ليتلقى منهم الحديث وسائر العلوم، حتى قِيل عنه أنه سمع من أكثر من ألفي شيخ، كما أصبح ابن حبان متمكنًا من معظم أنواع العلوم، فإلى جانب نبوغه في علمي الحديث والفقه، برع كذلك في الطب، والفلك، والفلسفة.


ولعل أبرز ما يوضح مسار رحلات ابن حبان، وسعيه الحثيث في طلب العلم، قول تلميذه الحاكم عنه "قدم نيسابور فسمع من عبد الله بن شيرويه وغيره، ثم إنه دخل العراق فأكثر عن أبي خليفة القاضي وأقرانه، وكتب بالأهواز وبالموصل، وبالجزيرة، وبالشام، وبمصر، وبالحجاز، وكتب بهراة ومرو، ورحل إلى بخارى فلحق عمر بن محمد بن بحير وولي أمر القضاء بسمرقند وغيره من المدن بخراسان، ثم ورد نيسابور سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فسار إلى قضاء "نسا"، ثم انصرف إلينا سنة سبع وثلاثون، فأقام بنيسابور وبنى الخانقاه، وقرئ عليه جملة من مصنفاته، ثم خرج من نيسابور إلى وطنه سجستان عام أربعين، وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه".


يُعد ابن حبان من المصنفين المكثرين في التأليف، فقد خلّف الكثير من الكتب القيّمة والمشهورة في مختلف مجالات العلوم، إلا أنّ كتبه في علم الحديث احتلت مكانة متميزة، فقد اتبع فيها أسلوبًا لم يسبقه إليه أحد من قبل، الأمر الذي جعلها تتفوق على جميع المصنفات التي تركها أقرانه من علماء الحديث، ومن جهةٍ أخرى فقد اتبع ابن حبان منهجًا خاصًا متعلقًا بزيادة الثقة، فقد اشترط أن يكون المحدّث الثقة الذي تُقبل منه الزيادة في المتن فقيهًا أيضًا، بالإضافة إلى ذلك فقد كان ابن حبان يعيب على المحدثين الذين يولون الاهتمام بالإسناد فقط، مع إهمالهم المتون، وكان يعيب كذلك على الفقهاء الذين يهتمون بالمتون فقط، دون الاهتمام بطرق الأحاديث.[١][٤][٥][٦]


شيوخ ابن حبان وتلاميذه

من أبرز شيوخ ابن حبان على سبيل الذكر لا الحصر:[٧]

  • الحسن بن سفيان (سمع منه في نسا).
  • عمران بن موسى بن مجاشح الجرجاني (سمع منه في جرجان).
  • محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (سمع منه في مكة الكرمة).
  • أحمد بن شعيب بن علي النسائي (سمع منه في مصر).
  • عبد الله بن محمد بن مسلم الخطيب المقدسي (سمع منه في بيت المقدس).


كما تتلمذ على يد ابن حبان عدد كبير من طلبة العلم، منهم على سبيل الذكر لا الحصر:[٨]

  • أبو عبد الله الحاكم.
  • أبو عبد الله بن مندة.
  • منصور بن عبد الله الخالدي.
  • أبو معاذ عبد الرحمن بن محمد بن رزق السختياني.


أشهر مؤلفات ابن حبان

على الرغم من أنّ ابن حبان قد ألف عددًا كبيرًا من المصنفات والكتب، إلا أنّ معظمها لم يصل إلينا، وفيما يأتي أشهر هذه المؤلفات:[٩]

  • كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: بدأ ابن حبان كتابه هذا بتعريف الجرح وذكر أنواعه، ثم انتقل إلى ذكر أسماء المجروحين والتي رتبها بناءً على الأحرف الأبجدية.
  • كتاب الثقات: تناول ابن حبان في مقدمة هذا الكتاب سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بدءًا من ولادته وحتى وفاته، ثم تحدث عن الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم من خلفاء وصولًا إلى الخليفة المطيع بن المقتدر، بعد ذلك ذكر جميع الصحابة، ثم التابعين، ثم أهل القرن الثاني الذين رأوا التابعين، ثم أهل القرن الثالث وهم أتباع التابعين، وقد اعتمد في ترتيب كل قرن على الأحرف الأبجدية.
  • كتاب مشاهير علماء الأمصار: تحدث ابن حبان فيه عن مشاهير علماء المدينة، ومكة، والبصرة، والكوفة، وبغداد، وخراسان، والشام، واليمن، ومصر.
  • كتاب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: تضمن هذا الكتاب مواضيع مختلفة تتعلق بالتهذيب، والآداب، ومكارم الأخلاق.


كتاب الأنواع والتقاسيم

يُعرف هذا الكتاب أيضًا باسم "صحيح ابن حبان"، أو "سنن ابن حبان"، أو "المسند الصحيح"، وقد جمع ابن حبان في كتابه هذا الأحاديث التي رأى أنها صحيحة، ورتبها بطريقة خاصة تجعل من السهل على طالب العلم حفظها والبحث فيها، ولتحقيق ذلك قسّم ابن حبان الكتاب إلى خمسة أقسام متساوية، وهي: الأوامر التي أمر الله عباده بها، النواهي التي نهى الله عباده عنها، إخباره عما احتيج إلى معرفته، الإباحات التي أبيح ارتكابها، وأخيرًا أفعال النبي التي انفرد بفعلها، ومن ثم جعل ضمن كل قسم من هذه الأقسام الخمسة أنواعًا كثيرة، كما حرص على البدء بذكر الأحاديث الأشهر ذات السند الموثوق.


ومن جهةٍ أخرى فقد اشترط ابن حبان أن يتوفر في كل راوي من رواة الأحاديث التي تضمنها كتابه خمسة شروط هي العدالة في الدين بالستر الجميل، والصدق في الحديث بالشهرة فيه، والعقل بما يحدث من الحديث، العلم بما يحيل المعنى من معاني ما روى، والخامس تعري خبره من التدليس، ويتضح مما سبق أنّ ابن حبان قد تحرى الدقة عند جمعه هذا الكتاب، الأمر الذي دفع ببعض العلماء لاعتباره أصح من كتاب سنن ابن ماجه.[١]


وفاة ابن حبان

توفي ابن حبان في سجستان، في شهر شوال من عام 354 هجري، وقد كان آنذاك في الثمانين من عمره.[١٠]

المراجع

  1. ^ أ ب ت حسان القادري، "ابن حِبَّان"، الموسوعة العربية، اطّلع عليه بتاريخ 20/12/2021. بتصرّف.
  2. زياد أوزون، الحافظ ابن حبان والانتقادات الموجهة إلى توثيقه الرواة، صفحة 6-7. بتصرّف.
  3. سامي بن عبدالله المغلوث، أطلس أعلام المحدثين، صفحة 68. بتصرّف.
  4. محمد بن محمد أبو شهبه، كتاب أعلام المحدثين، صفحة 306. بتصرّف.
  5. بدرية محمد محمود بهنساوي، المجروحون من الرواة عند ابن حبان الثقات عند غيره، صفحة 13-14. بتصرّف.
  6. سامي بن عبدالله المغلوث، أطلس أعلام المحدثين، صفحة 68. بتصرّف.
  7. ابن حبان، كتاب مشاهير علماء الأمصار، صفحة 14. بتصرّف.
  8. بدرية محمد محمود بهنساوي، المجروحون من الرواة عند ابن حبان الثقات عند غيره، صفحة 15. بتصرّف.
  9. ابن حبان، كتاب التقاسيم والأنواع، صفحة 14. بتصرّف.
  10. ابن حبان، كتاب صحيح ابن حبان، صفحة 99. بتصرّف.