من هو الإمام عبد القادر الجيلاني؟

هو إمام، وفقيه، وعالم، وأحد أبرز أعلام الصوفية في القرنين الخامس والسادس الهجري.


وهو عبد القادر بن أبي صالح موسى جنكي دوست بن أبي عبدالله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبدالله بن موسى الجون بن عبدالله المحض، ويُكنى بأبي محمد، ويعود نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب، أما ألقابه فمنها شيخ الإسلام، والعالم الزاهد، والعارف القدوة، وعلم الأولياء، وباز الله الأشهب، وهو يُعد من كبار شيوخ الصوفية، وأبرز الشخصيات الإسلامية في ذلك العصر، ومؤسس أول الطرق الصوفية وأشهرها والتي سميت على إسمه، وتقوم على منهاج خاص يعتمد على التدرج في المجاهدات والأذكار، إلى جانب التفقه بالدين، وبذلك يكون الإمام الجيلاني قد جمع ما بين الدين والتصوف، والإرشاد، والتربية، فاستحق بذلك ثناء كبار العلماء والأئمة عليه.[١][٢]


مولد الإمام عبد القادر الجيلاني ونشأته

ولد الإمام الجيلاني في "نيف" وهي إحدى المدن الصغيرة الواقعة في إقليم جيلان في إيران، في عام 470 هجري، كما ذكرت بعض كتب التراجم أنّه ولد في عام 471 هجري، وقد توفي والده بعد ولادته بفترة قليلة، فعاش يتيمًا، وتولى جده لأمه "عبد الله الصومعي" تربيته ورعايته، فحرص على تنشئته على الصلاح، والتقوى، ومكارم الأخلاق.[٣]


مسيرة الإمام عبد القادر الجيلاني العلمية والعملية

بدأ الإمام الجيلاني حياته العلمية بعد رحيله إلى بغداد، وتحديدًا في عام 488 هجري، وقد كان آنذاك لا يزال في الثامنة عشر من عمره، حيث التقى في بغداد مع كبار علمائها وأئمتها، فدرس على أيديهم مختلف علوم الشريعة، واستفاد من معارفهم، وبقي على هذا الحال ما يقارب الاثنين وثلاثين عامًا، حتى أتقن الكثير من العلوم، وأصبح عالمًا فيها، الأمر الذي جعله أهلًا للجلوس للتدريس والوعظ وذلك في عام 520 هجري.


والجدير بذكره أنّ الإمام الجيلاني قد عانى فترة دراسته وطلبه للعلم من سوء الأحوال المادية، ومرارة الحرمان، ومما جاء على لسان الإمام الجيلاني قوله: "كنت أقتات الخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من جانب النهر والشط"، كما كان يقضي العديد من الأيام يكابد شدة الجوع، إلا أنّ هذا الأمر لم يثبط من عزيمته، ولم يمنعه من المواظبة والاستمرار في طلب العلم.


وفي عام 521 هجري التحق الإمام الجيلاني بشيخه القاضي "أبو سعيد المخرمي الحنبلي" لمساعدته في تدريس الفقه الحنبلي في مدرسته الواقعة في باب الأزج في بغداد، وبعد وفاة الشيخ أبي سعيد استلم الإمام الجيلاني منصبه، فجلس للتدريس، والفتوى، والوعظ، والإرشاد، وقد بلغت شهرته الآفاق، فتوافد الناس إليه من كل مكان حتى ضاقت المدرسة بهم، الأمر الذي اضطره إلى إلقاء الدروس خارج سور بغداد، وقد استمر الإمام الجيلاني في إلقاء الدروس والمواعظ إلى أن وافته المنية.[٤][٥]


منهج الإمام عبد القادر الجيلاني في التصوف

أسس الإمام عبد القادر الجيلاني الطريقة القادرية الصوفية، ووضع لها منهجًا متكاملًا يشتمل على مجموعة من الأحكام والمبادئ بهدف تنظيمها، حيث قام بربط جميع المريدين بمشايخ الطريقة الذين أوكل إليهم مهمة تأديب وتربية المريدين، وبذلك يكون الإمام الجيلاني أول من نظّم التصوف على أساس جماعي وليس فردي كما كان متعارف عليه آنذاك، كما حرص الإمام الجيلاني على إعداد المريدين دينيًا، وعلميًا، وروحيًا، واجتماعيًا، ليؤهلهم على حمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولتحقيق هذا الأمر قام الإمام الجيلاني بتدريبهم مستخدمًا التطبيقات التربوية، والممارسات العملية، كما كان حريصًا كذلك على أن يزرع في طلابه أهمية التمسك بالكتاب والسنة، والامتثال لأوامر الله تعالى، والالتزام بالشرع، إلى جانب تركيزه على الاهتمام بالجوانب العملية من العقيدة، ونصحهم بالابتعاد عن الأفكار والفلسفات التي كانت سائدة في ذلك العصر، والتي تنافي مبادئ الشريعة الإسلامية.[٦]


شيوخ وتلامذة الإمام عبد القادر الجيلاني

تتلمذ الإمام الجيلاني على يد كبار علماء ذلك العصر، ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر:[٧]

  • علم الحديث: أبو غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأبو بكر أحمد بن المظفر، وأبو محمد جعفر بن أحمد السراج.
  • علم الفقه: أبو الوفا علي بن عقيل، وأبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي، وأبو سعد المبارك بن علي المخرمي.
  • علم الأدب والبيان: أبو زكريا يحيى التبريزي.
  • علم التصوف: حماد بن مسلم الدباس، أبو محمد جعفر بن أحمد السراج.


كما تتلمذ على يديه العديد من طلاب العلم، منهم على سبيل الذكر لا الحصر:[٨]

  • القاضي أبو المحاسن عمر بن علي بن الخضر القرشي.
  • تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي سرور المقدسي.
  • موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي.


أشهر مؤلفات الإمام عبد القادر الجيلاني

من أبرز مؤلفات الإمام الجيلاني ما يأتي:[٩]

  • كتاب الغنية لطالبي طريق الحق: ويظهر في هذا الكتاب بشكلٍ واضح تأثر الإمام الجيلاني بكتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي، حيث اتبع الجيلاني نفس منهجه القائم على الجمع ما بين الفقه والأخلاق وقواعد السلوك، وقد قسم كتابه هذا إلى عدة فصول، فتحدث في الفصل الأول عن العبادات، ثم فصل القول في ذكر الآداب الإسلامية، وفصل آداب الدعاء وفضائل الأيام والشهور، وفصل الحث على النوافل، وأخيرًا ذكر الجيلاني آداب المريدين والمجاهدين، والتوكل وحسن الخلق.
  • كتاب الفتح الرباني والفيض الرحماني: وقد جمع الإمام الجيلاني في كتابه هذا مجموعة من دروس الوعظ التي كان يلقيها في مجالسه المختلفة، والتي بلغت ما يقارب 62 مجلسًا، ومن ثم تناول في آخر الكتاب مجموعة من الأسئلة مع التعليق والإجابة عليها.
  • كتاب فتوح الغيب: وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والتي تبلغ 78 مقالة، حيث تناقش هذه المقالات موضوعي السلوك والأخلاق، وهو يُعد من أقرب الكتب لكتاب الفتح الرباني، حيث يتشابهان معًا في الموضوع والأسلوب.


وفاة الإمام عبد القادر الجيلاني

توفي الإمام عبد القادر الجيلاني في ليلة السبت العاشر من ربيع الآخر عام 561 هجري، عن عمرٍ يناهز 90 عامًا، وذلك بعد مرض شديد أصابه لم يدم سوى يوم وليلة فقط.[١٠]

المراجع

  1. علي محمد محمد الصلابي، العالم الكبير والمربي الشهير الشيخ عبد القادر الجيلاني، صفحة 15. بتصرّف.
  2. حورية بن قادة، "باز الله الأشهب سيدي عبد القادر الجيلاني قدّس الله سره"، الرابطة المحمدية للعلماء، اطّلع عليه بتاريخ 11/12/2021. بتصرّف.
  3. عبد الرزاق الكيلاني، الشيخ عبد القادر الجيلاني الإمام الزاهد القدوة، صفحة 85-92-93. بتصرّف.
  4. سعيد بن مسفر بن مفرح القحطاني، الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية، صفحة 31-32. بتصرّف.
  5. صالح أحمد الشامي، مواعظ الشيخ عبد القادر الجيلاني، صفحة 11-12. بتصرّف.
  6. علي محمد محمد الصلابي، العالم الكبير والمربي الشهير الشيخ عبد القادر الجيلاني، صفحة 111-112. بتصرّف.
  7. عبد الرزاق الكيلاني، الشيخ عبد القادر الجيلاني الإمام الزاهد القدوة، صفحة 108-109. بتصرّف.
  8. سعيد بن مسفر بن مفرح القحطاني، الشيخ عبد القادر الجيلاني وآراؤه الاعتقادية والصوفية، صفحة 44-45. بتصرّف.
  9. صالح أحمد الشامي، مواعظ الشيخ عبد القادر الجيلاني، صفحة 16-17. بتصرّف.
  10. صالح أحمد الشامي، مواعظ الشيخ عبد القادر الجيلاني، صفحة 17. بتصرّف.